هل الحزب والمقاومة بديل الوطن والأمة والدين؟
ثمّة سياقات متعددة ساهمت في تشكيل "حزب الله" وبلورة مساره ورسم خطوط مصيره:
1-سياق الثورة والمقاومة والممانعة في العالم العربي ونموذجه الثورة الفلسطينية.
2- سياق الأهواء القومية والأممية التي استبدت بالمسلمين اللبنانيين رداً على ما رأوه ظلماً في تشكيل الكيان اللبناني.
3- سياق الفقه السياسي الشيعي العام (منذ زمن غيبة الإمام المهدي) واتجاهاته الإصلاحية وأعلامها الكبار كالنائيني والبروجردي والخوئي والحكيم وموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.
4- سياق النموذج الحزبي الشيعي (حزب الدعوة في العراق وامتداداته اللبنانية).
5- سياق النموذج الثوري الإيراني (نظرية الإمام الخميني في ولاية الفقيه ودورها في تشكيل الحزب).ولا يمكن إعطاء صورة واضحة عن حقيقة "حزب الله" دون الأخذ بالاعتبار هذه السياقات مجتمعة متداخلة متكاملة، إذ دون ذلك تبقى النظرة مجتزأة والمعالجة غير مكتملة. ونحن سنحاول شرح هذه السياقات من دون تسلسل أو تمرحل وإنما في إطار رؤية أشمل تعرض للموقف الإسلامي والوطني في لبنان كما جسّده تراث الإمامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.
في المقاومة والممانعة ضد التجزئة والاحتلال
شهدت بلاد الشام أشكالاً من الممانعة والرفض والاعتراض الشعبي العربي على الهيمنة الاستعمارية والتجزئة والاحتلال والقهر والغدر وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وانكشاف خيانات الحلفاء لمطالب العرب.. تلك كانت ممانعة تندرج في الإطار العربي والعالمي الأوسع المسمى بحركة التحرر الوطني وبحركات الاستقلال... وهي حالة أدت فيما أدت إليه إلى نشوء الدول والكيانات الوطنية "القطرية" وحملت إلى السلطة نخباً عسكرية بيروقراطية "تبرجزت" واستبدت تحت شعار فلسطين والمقاومة... من حسني الزعيم وأديب الشيشكلي في سوريا (1949-1950) إلى جمال عبد الناصر في مصر(1952)، إلى العسكر البعثي في سوريا والعراق (1963)، إلى عسكر الجزائر (1965) وصولا إلى انقلابات القذافي (ليبيا) والنميري (السودان)في العام 1969... ولا يمكن النظر إلى الرفض والممانعة الشعبية والحركات الاستقلالية والتحررية لتلك المرحلة بمنظار مقاومة لبنانية ضد احتلال إسرائيلي للأرض.. فلم يكن قد تبلور بعد "وعي لبناني" مقاوم مرتبط بالأرض والكيان والوطن والدولة.. ولا كان تبلور "وعي إسلامي" حول إشكاليات العلاقة بين الإسلام كدين وأمة، وبين الأوطان والدول والكيانات...وقد كان مسلمو لبنان (وشيعته تحديداً) في قلب الحركة القومية السورية والعروبية كما تشهد بذلك مؤتمرات وادي الحجير(1920) وصيدا(1933) والساحل(1936) وحركات العصابات المسلحة من أدهم خنجر وصادق حمزة إلى توفيق هولو حيدر وأبو علي المصري، وصولا إلى الحَرد ضد الدولة والكيان بعد الاستقلال. لا بد إذن من وضع الممانعة الشعبية الإسلامية اللبنانية لتلك المرحلة في إطار حركة التحرر الوطني العربية الاستقلالية في وجه الاستعمار وركائزه ومخلفاته وأبرزها الصهيونية (وعد بلفور) والرجعية (الأنظمة القائمة) والتجزئة (سايكس-بيكو)...وهي مرحلة قومية ثورية وأممية عالمثالثية سقطت مبدئياً في الخامس من حزيران مع سقوط المشروع الناصري والبعثي في الوحدة والحرية والاشتراكية (ولو أنهم لم يعترفوا بسقوطهم المخجل)... وما يستدعي التوقف هو الحالة القومية والأممية لمسلمي لبنان الرافضة للكيان "الانعزالي" والملتحقة بكل الثورات العربية والفلسطينية. فقد كتب الكثير عن ذلك ولا حاجة للعودة إليه إنما نشير إلى إن هذه الحالة كانت وما زالت كامنة في قلب وعقل المسلم ووجدانه وهي التي تفسر سرعة التحاقه بأية دعوة قومية (سورية وعربية، بعثية كانت أم ناصرية) أو ثورية تحررية (فلسطينية تحديداً) أو أممية شمولية (شيوعية كانت أم إسلامية)، طالما أن فكرة الدولة الوطنية والدساتير لم تترسخ بعد وطالما أن العصبيات المختلفة هي التي ما تزال تحكم عقلنا وسلوكنا.
المقاومة الفلسطينية وأثرها في لبنان
كانت نكسة حزيران 1967 نقطة تحول تاريخية في الوضع العربي واللبناني... ولعلها فاقت في خطورة تداعياتها نكبة 1948. وبدءاً من صيف 1967 (الانطلاقة الثانية لحركة فتح في آب67 بعد الانطلاقة الأولى في 1-1-1965) تطورت في جنوب لبنان حالة من المقاومة والصمود والتحدي ارتكزت إلى عناصر متعددة:
أ- الاعتداءات الإسرائيلية التي تصاعدت مع تصاعد حالات التسلل الفدائي إلى الأرض المحتلة عبر جنوب لبنان.
ب- صمود الأهالي الأسطوري وصبرهم وتحملهم لكل أشكال العدوان، وتلاحمهم الذي قل نظيره في احتضان الفدائيين الأوائل رغم الكلفة العالية التي دفعوها في الأرواح والممتلكات...
ج- الدعم المصري والسوري (وحتى العربي المحافظ أو الرجعي كما كانوا يسمونه) لانتشار وتمدد الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان وذلك لأهداف وغايات متفرقة ليس أقلها التعويض عن نكسة حزيران معنويا (خصوصا بعد مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث وبعد المصالحة المصرية-السعودية التي أنهت حرب اليمن)، وإشغال العدو بالترابط مع حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية (1968-1969)، والصراعات الداخلية على السلطة في سوريا (ولادة منظمة الصاعقة كإحدى أدوات هذا الصراع الداخلي الذي تصاعد بعد عام 1969 وصولا إلى انقلاب الفريق حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970)
د- المغامرة والمقامرة في معارك أيلول الأردن 1970 والتي أدت إلى طرد المقاومة الفلسطينية نهائيا من الأردن واتجاه قواتها صوب جنوب لبنان.. ويمكن قراءة أحداث أيلول كمثال ساطع على استخدام المقاومة في أوراق الصراع السوري الداخلي كما السوري-المصري والسوري-الأردني ناهيك عن الدور العراقي يوم ذاك.
ه- أزمة اليسار العربي واللبناني بعد نكسة حزيران، وانطلاق اليسار الجديد على قاعدة الارتباط بمشروع الثورة الفلسطينية "رأس الحربة للثورة العربية الشاملة" (على حد تعبير احد كراسات حركة فتح)، وبأن "فلسطين هي طريق الوحدة"، وليس كما كان القوميون العرب يقولون: الوحدة طريق التحرير (شعار وحدة تحرر ثأر عند حركة القوميين العرب، وشعار وحدة حرية اشتراكية عند أحزاب البعث)، هذا ناهيك عن شعار فتح الرئيسي في "التوريط"(أي توريط الأنظمة العربية في مواجهة عسكرية مع إسرائيل تفتح باب المقاومة والتحرير)..وقد شهدت أعوام 1967-1970 اضطرابات عاصفة في الأحزاب الكبرى (الشيوعي-القوميون العرب – البعث - وحتى القومي السوري في السجون) طرح فيها شعار الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، كبديل عن كل البرامج السياسية السابقة..
و- أزمة النظام اللبناني التي تفاقمت بعد حرب حزيران وانهيار التجربة الشهابية الإصلاحية: من أزمة بنك انترا إلى تصاعد وتفاقم الفقر والتهميش الاجتماعي إلى صعود الحلف الثلاثي الماروني(1968). عبّر ذلك كله عن أزمة التوازن بين الطوائف بعد انكشاف الوضع العربي الذي كان حامياً لأهل السنة، وبروز أنياب التطرف المسيحي على قاعدة الاستفادة من نتائج حزيران، الأمر الذي ساعد على تبلور رؤية شيعية مستقلة بين السنة والموارنة، والى بداية احتلال الشيعة لموقع ولوزن راجح في المعادلة الداخلية.
وبموازاة ذلك كله تطور شعار دعم العمل الفدائي وحرية تحركه من لبنان، والارتباط بالثورة الفلسطينية خصوصا في الشارع السني في المدن الكبرى، وذلك كرافعة للمطالب الإسلامية-اليسارية المزمنة بالعدالة والمساواة والتي اختصرها مطلب المشاركة أو تصحيح الخلل في الحكم في لبنان.. وهكذا حل الفدائي "أبو كوفية" (ورمزه أبو عمار) محل الفتى الأسمر عبد الناصر..وحل شعار عبد الناصر "إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى وستبقى"، محل صرخته التاريخية: "ارفع رأسك يا أخي العربي فقد ولى عهد الاستعمار"..وأبرز مظاهر هذا التحول شهدته القوى الناصرية التي تحولت إلى عشرات من تنظيمات الأحياء والشوارع في بيروت (إبراهيم قليلات والمرابطون) وطرابلس(علي عكاوي وحركة الغضب، فاروق المقدم وحركة 24 تشرين) وصيدا (معروف سعد والتنظيم الشعبي الناصري).. وولادة الحركة اللبنانية المساندة لفتح بقيادة من عائلات بيروتية مهمة (حوري، شاتيلا، عيتاني، بلعة، فاخوري، الآغا..الخ..)، ولجان أنصار الثورة الفلسطينية في مدارس المقاصد والمدارس الرسمية وحتى في الجامعات الكبرى كالأميركية والعربية.. وجاء العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت (28 كانون الأول 1968) وتدمير الأسطول الجوي المدني للبنان، ليطلق حركة طالبية وشبابية شملت لبنان بأسره وتمحورت حول ضرورة التسلح والاستعداد والمقاومة وتحصين الجنوب.وهذا الأمر كان له مقابله مع تطور الشعور الشيعي بالحاجة إلى كيان مستقل يعبر عن الشيعة ويكون له دور في البلاد (بدايات المجلس الشيعي كانت على غير هوى القيادات السنية ولقيت دعماً مارونياً واضحاً).
المقاومة اللبنانية كرديف ونصير
في هذه الأجواء تشكلت أولى المجموعات اللبنانية المقاومة، كرديف ونصير للمقاومة الفلسطينية، أو كحرس شعبي في القرى الجنوبية.. وقد أخذت مواقع لها في الجنوب تحت رعاية حركة "فتح" وخصوصا في راشيا والعرقوب وما صار يعرف باسم "فتح لاند"، ثم في منطقة بنت جبيل.. وقد ارتكز هذا التطور على جملة عوامل أبرزها تلك الحالة الجماهيرية التي أطلقتها معركة الكرامة (21 اّذار 1968)، ثم جنازة خليل عز الدين الجمل (27 نيسان 1968) أول شهيد لبناني في صفوف حركة فتح.. وقد تلا ذلك تدفق آلاف الشباب اللبناني إلى قواعد ومعسكرات الثورة في لبنان والأردن وسوريا...وحتى في العراق... حيث جابت المظاهرات المليونية شوارع بغداد والنجف الأشرف وحيث أصدر المرجع الشيعي الكبير السيد محسن الحكيم فتوى بجواز دفع "الخمس" لمقاتلي حركة فتح.. وقد ساهمت هذه الفتوى إلى جانب مواقف مراجع الشيعة في العراق وإيران، في تعميق التعاطف الشيعي اللبناني في الجنوب مع ثوار فلسطين، وفي مده بأسباب القوة والاستمرارية.. وكان قمة ذلك في العشاء الرمضاني الذي أقامه الإمام السيد موسى الصدر على شرف حركة "فتح" ولجمع التبرعات لها في 17 كانون الأول –ديسمبر 1968.
وجاء التحول اليساري في حركة القوميين العرب ليفتح صفحة جديدة في تاريخ اليسار العربي قاطبة... إذ هو أفرز منظمات "الجبهة الشعبية" و"الجبهة الديمقراطية" ورديفيهما "حزب العمل العربي الاشتراكي" و"منظمة الاشتراكيين اللبنانيين- لبنان الاشتراكي" (منظمة العمل الشيوعي لاحقا).. الأمر الذي ساعد على ارتباط قوى لبنانية واسعة ومن كل المناطق والطوائف بمشروع الثورة الفلسطينية من جهة، وبشعار المقاومة وحرب الشعب من جهة أخرى... وأدت نكسة أيلول الأسود في الأردن إلى انتقال ثقل هذه المنظمات ومن يدور في فلكها من تيارات غيفارية وتروتسكية وماوية وفوضوية إلى لبنان، والى تشكيل تجارب وبؤر ثورية "اختبارية" عديدة، كان نصيب جنوب لبنان منها هو الأكبر والأفدح ثمناً.... وقد شكلّت انطلاقة اليسار الجديد المرتبط بمشروع الثورة الفلسطينية وشعاراتها وحركاتها المسلحة تحديا للقوى اليسارية والقومية التقليدية.. فبعد انشقاقات يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (تيار ياسين الحافظ)، ثم أزمة تيار صلاح جديد - يوسف زعيّن في حزب البعث الحاكم في سوريا، فالتحول في حركة القوميين العرب، اندلعت الأزمة في الأحزاب الشيوعية العربية الموالية لموسكو وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني.. وتخللها اتهامات لأمينه العام اللاحق جورج حاوي بأنه عميل إمبريالي وفصل وتجميد لقيادات وكوادر مؤيدة له.. واستمرت الأزمة حتى انعقاد المؤتمر العام الثاني 1968 (الذي استعاد فيه تحالف جورج حاوي –كريم مروة - جورج بطل المبادرة، وذلك على خلفية تصاعد دور الثورة الفلسطينية في أوضاع هذه الأحزاب وتصاعد مزايدات اليسار الجديد الفلسطيني).. أدى ذلك إلى قرار الأحزاب الشيوعية العربية تشكيل قوات الأنصار، وهي تجربة تم إجهاضها سريعا من قبل الطرف الأردني والفلسطيني في الأحزاب الموسكوبية، لتبقى تجربة الحرس الشعبي التي أطلقها تيار الشهيد حاوي في الحزب اللبناني.. وهي أجهضت في مرحلة تالية ولكن لأسباب أخرى بعد استشهاد المناضل علي أيوب (الشهيد اللبناني الوحيد لهذه التجربة).. الأمر الذي دفع بكوادر عديدة في الحزب الشيوعي وعلى يساره، ومن يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (ياسين الحافظ وناجي علوش تحديدا) والحزب التقدمي الاشتراكي، وبدعم من "يسار" حركة فتح، إلى تشكيل "الجبهة التقدمية اللبنانية لمكافحة الصهيونية"، والتي دعت إلى إطلاق مقاومة لبنانية حملت اسم "طانيوس شاهين" وتموضعت في قواعد حركة فتح في الجنوب... وبانفراط عقد هذه التجربة نشأت من أحشائها الحركة الاشتراكية الثورية (المرحوم مرشد شبو والشهيدين علي شعيب وإبراهيم حطيط) التي ارتبطت بحركة فتح، كما عاد البعض إلى أحزابه الأم أو أسسوا حركات جديدة، فيما انضم "الناجون" من تلك التجربة إلى حركة فتح...
وجاء خروج قيادات وكوادر الحزب القومي السوري من السجن (1969)بعد محاولتهم الانقلابية الفاشلة آخر عام 1961، ثم مؤتمر ملكارت التاريخي(1969)الذي كرّس التحول الثوري اليساري في الحزب (وطريق دخوله إلى جبهة الأحزاب التقدمية بقيادة كمال جنبلاط ودعم عرفات)، ما أضاف قوة نظامية متمرسة إلى القوى المرتبطة بالثورة الفلسطينية وبالكفاح المسلح... ولم يقتصر الأمر على تلك المجموعات المسيحية من القومي السوري التي عملت مع أيلول الأسود (وعلى رأسها الشهيد فؤاد الشمالي)، وإنما يبدو أن الارتباط بالثورة الفلسطينية وبحركة فتح بدأ داخل السجن وهو استمر خصوصا مع تيار إنعام رعد وعبد الله سعادة... وهو ارتباط دفع هذا التيار ثمنه غاليا فيما بعد، خصوصا مع اغتيال محمد سليم وتوفيق الصفدي وايلي الجقل وعدد من كوادر وعناصر الحزب في الحرب الحزبية الداخلية التي جرت في الأعوام 1986-1988... ناهيك عن الاغتيال المشبوه للقوميين البارزين كمال خير بك وبشير عبيد في بيروت مطلع الحرب الأهلية، وهما كانا صلة وصل مع أيلول الأسود في أوروبا ولبنان.
وهكذا شهدت سنوات 1970-1975 تمددا وانتشارا فلسطينيا في جنوب لبنان، تردفه عناصر لبنانية يسارية أو فتحاوية وجدت في الثورة الفلسطينية ولأسباب مختلفة، الحلم والأمل في التغيير... إلى جانب الأسباب اللبنانية الإسلامية المتعلقة بانهيار التوازن الذي قام عليه الكيان الوطني... فكان التموضع الفلسطيني في جنوب لبنان بعد أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر (أيلول 1970) وانقلاب الرئيس الأسد (تشرين الثاني 1970) وكان شعار حرية العمل الفدائي ودعم الثورة الفلسطينية واعتبار الجنوب بوابة التحرير (وآية كل ذلك اتفاق القاهرة الشهير في 2 تشرين الثاني 1969)... ولذا فانه لم يكن غريبا أن تروج في تلك الفترة مقولة المطالب الإسلامية-الوطنية (محسن ابراهيم ومنير شفيق)، والطبقة-الطائفة (جورج حاوي)، أو المارونية السياسية (منح الصلح ثم جريدة "السفير")... وكان كل ذلك التمدد والانتشار محمولا على استراتيجية مصرية في دعم حركة فتح والمنظمات السنية الناصرية ومعظمها كان مرتبطا بالمكتب الثاني اللبناني (الاستخبارات العسكرية)، وفي مشاغلة وارباك العدو وإضعافه عبر لبنان، وعلى استراتيجية سورية (تمثلها منظمات الصاعقة والجبهة الشعبية-القيادة العامة والجبهة الثورية وغيرها من الشلل الصغيرة التي فرّخت مثل الفطر على ضفاف التجربة الفلسطينية في لبنان) في زعزعة الاستقرار اللبناني وبناء وضع جديد سمح تاليا في إشعال وإذكاء واستمرار الحرب الأهلية... ومحمولاً أيضا على أزمة داخلية تتعلق بالمطالب الإسلامية في المشاركة... فكان دعم الفدائيين هو رافعة تصحيح الخلل... إلا أنه سمح بدخول عناصر لم تستطع القيادة السنية التقليدية (صائب سلام ورشيد كرامي وتقي الدين الصلح) ولا القيادة الجنبلاطية ضبطها. فكان أن دفعت أيضا ثمنها غاليا فيما بعد.. وبعد عام 1973، صار هذا التمدد أيضا محمولا على هجوم سوفياتي كاسح في الشرق الأوسط (وقد حمل هذا التوجه الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي وروابطهم مع عدن الموسكوبية بعد اغتيال سالم ربيع علي، وأوساط قيادية مرموقة في الحزب الاشتراكي ومعهم يسار فتح بقيادة أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة وما صار لاحقا "فتح الانتفاضة")، الأمر الذي جعله يصطدم وبقوة بمصالح واعتبارات أهل الجنوب والمقاومة، وهذا ما جسدته "حركة المحرومين" بالضبط في تلك المرحلة... ومخطىء وواهم من لا يعيد قراءة تلك التجربة ومن لا يعترف بالدور السوفياتي وبالأدوار العربية المختلفة (السورية أولاً، والعراقية والليبية ثانياً، والجزائرية ثالثاً، وصولاً إلى العدنية الموسكوبية ورئيسها عبد الفتاح إسماعيل) في إبقاء الصراع مفتوحا على جبهة الجنوب، وفي تأثير ذلك على مجريات الوضع، وعلى عدم إمكانية الكلام عن مقاومة وطنية لبنانية لتلك المرحلة...
المقاومة بين حركات التحرر الوطني العربية والحرب الأهلية اللبنانية
كانت مقاومة السنوات السابقة على 1982، إذأ، جزءاً لا يتجزأ من ما كان يسمى "حركة التحرر الوطني العربية"، ومن اليسار الدولي والإقليمي، ومن استراتيجيات مصرية وسورية وسوفياتية وفلسطينية (ولاحقا ليبية وعراقية وغيرها) وجدت في بقاء جبهة الجنوب مفتوحة، وفي استمرار الحرب الأهلية اللبنانية، خير جسر للعبور إلى ما تريد أو لإيصال الرسائل أو لخدمة مصالحها الخ...( نعم حرب الآخرين على أرضنا لمن لا يزال يرفض هذه الفرضية الحقيقية بقدر حقيقة أنها كانت أيضاً حربنا الأهلية نحن).... وتجسد هذا كله في ما عرف باسم "القوات المشتركة اللبنانية-الفلسطينية" التي انتشرت في جنوب لبنان تحت إمرة قيادة الثورة الفلسطينية والتي رأت في وجودها في الجنوب استمرارا لحربها الأهلية الداخلية ضد "الانعزاليين عملاء العدو"، أو "يهود الداخل"... فلم يكن هناك إذأ هوية لبنانية وطنية جامعة ومستقلة لتلك المقاومة، بل يمكن القول حتى أنها كانت جزءا من الانقسام الداخلي كما أنها كانت تغذيه من جهة أخرى.
وما حدث بعد ذلك يرتبط بالحرب الأهلية وعوامل استمرارها أكثر من ارتباطه بمشروع وطني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب...
فقد دفعت الحرب الأهلية وتطوراتها (وخاصة عمليات التطهير الديني-العنصري في "النبعة" و"تل الزعتر" و"المسلخ" وضواحي بيروت الشرقية والشمالية (من "حارة الغوارنة" إلى بياقوت والزلقا والجديدة والسبتية الخ...) بآلاف العائلات الشيعية للعودة إلى قراها في الجنوب والبقاع (والى منطقة الضاحية الجنوبية السريعة التوسع والامتداد) حاملة معها أولادها الحزبيين الغاضبين الذين أضافوا إلى القوات المشتركة أعداداً هائلة من المقاتلين، الأمر الذي سمح بتوسع وامتداد واستمرار السيطرة الفلسطينية على الجنوب حتى العام 1982 (الاجتياح الكبير).. ترافق ذلك مع حرب الثكنات ونشوء "جيش لبنان العربي" بقيادة أحمد الخطيب (كانون الثاني 1976) الذي سرّع في سقوط ثكنات الجنوب وفي التحاق الضباط والجنود بقراهم وعائلاتهم، وبنشوء جيوش رديفة في الجنوب منها جيش أنطوان بركات وجيش سعد حداد وصولاً إلى جيش أنطوان لحد...ومعظمها حمل لواء "المقاومة" اللبنانية ضد الفلسطينيين، كما انه كان يحظى بغطاء الشرعية الممثلة بقيادة الجيش وبالدولة اللبنانية (استمرت هذه القوات في قبض رواتبها من الدولة حتى وقت متأخر جدا).
هذا الجو العام عزز الانقسام اللبناني الذي كان في الأصل موجوداً منذ نشأة الكيان اللبناني والذي تمحور حول هوية لبنان ودوره وموقعه بين العرب.
الإمام السيد موسى الصدر في التراث الشيعي اللبناني
لم يبدأ الإمام الصدر من فراغ.. فهو حلّ بمدينة صور بناء على دعوة سابقة من المرجع "السيد عبد الحسين شرف الدين".. وهو استند إلى تراث شيعي لبناني أصيل يحلو للبعض نسيانه اليوم أو تجاهله حين يستحضرون "وادي الحجير" أو "أدهم خنجر" و"صادق حمزة"، وينسون أن ما صنع شيعة لبنان ليس محطات معينة خارج أي تاريخ أو سياق بل تاريخ طويل يبدأ مع أبي ذر الغفاري ولا ينتهي مع الإمامين الصدر وشمس الدين.. لقد كان الشيعة، كما كثير من اللبنانيين، في طليعة المعترضين على التشكيل الانتدابي للبنان الحديث.. غير أن هذا الاعتراض كان من شاكلة الاعتراضات اللبنانية الأخرى: أي انه كان اعتراض وممانعة ما قبل تشكّل الدولة الوطنية الحديثة، نشط في مرحلة انعدام التوازن بعد انهيار الدولة العثمانية واحتلال البلاد العربية.. وهذا الاعتراض حملته قوى ومصالح وأيديولوجيات ورؤى وأفكار لا يمكن بحال من الأحوال نسبتها إلى الأزلية والسرمدية ، أو إلى التشيع والإسلام . لعل أهمها كان الاعتراض الاورثوذكسي ممثلا بالحزب القومي السوري وزعيمه انطون سعادة وهلاله الخصيب ونجمته قبرص... ولكنه كان أيضا اعتراض البورجوازية المدينية السورية وآيته المؤتمرات السورية التي شاركت فيها البورجوازية السنية اللبنانية... كانت عروبة الشيعة وسوريتهم هي العروبة والسورية الطبيعية لتيارات وقوى مطلع القرن العشرين حيث الخرائط ترسمها الدول المستعمرة وحيث القوى الأهلية المحلية تقاوم فرض الأمر الواقع.. ولا يجوز تقديم التاريخ باعتباره فقط تاريخ هذا الاعتراض المشروع في يومه، وإنما باعتباره تاريخ تطورات اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية صنعت صورة لبنان الحالي، كما صورة المنطقة..
فلا بد من البحث الجاد عن أشكال انخراط النخب الشيعية والإسلامية في الممارسة السياسية وفي الحياة الوطنية، وعن التعبيرات السياسية المختلفة التي لوّنت الطيف الشيعي والواقع الإسلامي اللبناني، خلال المرحلة الانتدابية 1920-1943... بحيث أن الجاهل وحده هو من لا يرى الاختلاف بين رؤية السيد شرف الدين ورؤية السيد محسن الأمين لموقع ودور الشيعة في لبنان والمحيط السوري والعربي.. ولا بد أيضا من قراءة الأصول السوسيولوجية للتيارات والأحزاب السياسية في جبل عامل.. إذ أنه من الجهل أيضا أن لا نرى أين نجح القومي السوري مثلا ومتى ولماذا؟ أو متى انتشر الحزب الشيوعي وأين ولماذا؟ أو الدور الفلسطيني المهم منذ ثورة 1936.. كما انه من الجهل عدم رؤية وتقويم العواطف والمشاعر العربية لجبل عامل والاستعداد للدفاع عن كل القضايا العربية والتي حمل شيعة لبنان لواءها خصوصا في ثورة فلسطين الكبرى 1936.. كانت عروبة الشيعة هي المساق الطبيعي لتاريخهم وجذورهم وثقافتهم ولغتهم ولهجاتهم وعشائرهم وبيوتاتهم... وهي لم تكن لتتعارض مع لبنانيتهم اللاحقة والتي كان الإمام شرف الدين ابرز من عبّر عنها ( بعض الباحثين الأجانب وتابعيهم من اللبنانيين ينعتون موقف السيد شرف الدين بالعمالة للانتداب وقد شهدنا عينّة من هذا الهراء بمناسبة نقاش كتاب عن السيد محسن الأمين وردت فيه التصنيفات السخيفة حول عمالة السيد عبد الحسين للفرنسيين..).. والإبداع الشيعي المبكر تمثل في إيجاد تلك اللحمة ما بين وطنية لبنانية قائمة على واقع مستجد ومتصالح عليه (دولة لبنان الكبير) دون الإغراق في تاريخ غابر إلى حد الأسطرة من جهة (الفينيقية وحضارة الستة آلاف سنة) ولا في أدلوجة الاصطناع للكيان اللبناني من جهة أخرى (وهذه ما زالت في وعي وسلوك أكثر من حزب وتيار عقائدي متناسين أن كل الكيانات العربية هي بهذا المعنى مصطنعة)، وما بين عروبة حضارية، طبيعية، لا تحتاج إلى أدلوجات قومجية فاشستية ولا إلى مرتكزات سلطوية أو مخابراتية... وأذكر أن الإمامين الصدر وشمس الدين كانا يطرحان دائما هذه المعادلة ويقولان: إن التاريخ السياسي للبنان هو حاضرنا القائم والمتوافق عليه.. فلنتفق على أن تاريخ لبنان الكيان السياسي يبدأ عام 1920.. وإذا لم توافقوا فاجعلوه عام 1943... وهذا هو تاريخ الكيان السياسي الحاضر الذي ارتضيناه وطنا نهائيا دون أن يعني ذلك أننا تخلينا عن روابطنا العربية أو عن شيعيتنا أو عن إسلامنا..
ولم يكن الشيعة وحدهم على هذا الوعي المتفاهم عليه.. فالبيان – الرسالة الذي ألقاه السيد كاظم الصلح ( ووافقه عليه السيد عادل عسيران) بعد "مؤتمر الساحل" 1936 (نشر بعنوان "مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان") يحمل هذا الهم المبكر في اجتراح معنى إسلامي للوطنية اللبنانية ومعنى لبناني للعروبة... ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن هذا التطور في الفكر السياسي الإسلامي اللبناني نتج عن تطور مبكر في سوريا كانت ابرز علاماته الكتلة الوطنية السورية ومفاوضتها المنفردة ( كسورية) مع الانتداب الفرنسي وطلبها من جناحها اللبناني (بقيادة رياض الصلح) التفاوض المستقل وترتيب البيت اللبناني...
وعام 1936 هو للمناسبة عام تبلور تلك الوطنيات المحلية بعد تطور وتبلور مشاريع وقوى وحركات ومصالح "وطنية"(سمهّا "بورجوازية" إن شئت) لم تعد تجد في الاستقلال الوطني خيانة قومية. وهي عقدت في ذلك العام المعاهدات الشهيرة مع الأجنبي، من مصر إلى العراق، ومن سوريا ولبنان إلى المغرب والجزائر وتونس، وذلك بسبب صعود الفاشية والنازية وحاجة الديموقراطيات الأوروبية إلى تأمين جناحها المشرقي والمغربي في أية حرب مقبلة. وهي تلاقت مع السياسة الستالينية القاضية يومذاك بإنشاء جبهات وطنية مع البورجوازيات المحلية... ويستحق هذا الأمر دراسة مفصلة ليس هنا مجالها، إنما يعنينا هنا اندراج شيعة لبنان المبكر في البحث عن جوامع مشتركة على مستوى الوطن مع بقية الطوائف اللبنانية، وفي التأصيل الديني لهذه الوطنية.. وهنا يبرز الميثاق الوطني ومعركة الاستقلال كعلامات على هذا النضج وتلك الرؤية التي لم تكن لتختلف عن رؤية رياض الصلح أو صائب سلام.. وهي رؤية حملها صبري حمادة و عادل عسيران و آل الأسعد والزين والخليل وحيدر وغيرهم من العائلات الشيعية التي تصالحت مع اللبنانية ومع الدولة الجديدة..
صحيح أنها رؤية بورجوازية وطنية (بحسب ستالين وماوتسي تونغ) إلا أن المرحلة كانت (ولعلها ما تزال) مرحلة بورجوازية وطنية ديموقراطية (أم أننا نسينا ألف باء الماركسية).. ولعل هذه المصالحة التاريخية مع الكيان-الوطن والتي أعطت العائلات التقليدية سلطة الحكم في لبنان الاستقلال هي التي تفسر "ثورة" انطون سعادة 1949 وانضمام بعض زعماء العائلات المحتجين على تهميشهم في النظام الجديد (لاحظ خصوصا آل دندش وبعض الوجوه العشائرية في بعلبك-الهرمل والتي ما تزال قومية إلى يومنا هذا، ولاحظ بعض الأسماء السنية في بيروت والشيعية في صور والنبطية والتي انتسبت إلى القومي السوري على هذا الأساس).. كما لا بد من دراسة التطور الديموغرافي والاجتماعي والتربوي الذي شهده الشيعة في مرحلة الاستقلال (1943-1958) والتي سمحت بانتشار الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب وحزب البعث في أوساط المتعلمين الشيعة في الخمسينات وذلك بتأثير من صعود الاتحاد السوفياتي (بعد الانتصار الكبير في الحرب العالمية الثانية، وبداية الصراع مع الغرب "الإمبريالي") والناصرية في آن معا.. وصولا إلى المرحلة الشهابية... ومن المفيد التذكير هنا بان اللبنانية والسورية والعروبة كانت تنجدل في تناغم وتكامل ميّزا شخصية جيل من الكبار العظماء... فمن ينسى عروبة كميل شمعون ("فتى العروبة الأغر" في مطلع الخمسينات، وهي عروبة العراق والثورة العربية الكبرى ونوري السعيد وكل ذلك الجيل الذي مضى مع صعود الضباط الصغار في مصر وسوريا والعراق ثم في غيرها من البلدان العربية) أو سورية الرعيل الأول من المثقفين الذين طردهم سعاده من حزبه لشبهة "اللبنانية" (وأبرزهم غسان تويني وأسد الأشقر وفايز صايغ وفخري المعلوف ومأمون أياس ونعمه ثابت= وكلهم تأثروا بشارل مالك وبعروبة شمعون اللبنانية).. أو اتفاق الكتائب والنجادة على المطالبة بالاستقلال.... وما نستطيع قوله في هذه العجالة انه لم يفرض احد بالقوة والقهر الخيار اللبناني على شيعة لبنان... ولا يمكن نكران هذه الحقيقة البسيطة وهي أنهم ارتضوا لبنان فعلياً، سراً وعلانية، وطنا نهائيا..[في عددها الصادر يوم 21-10-1936ذكرت جريدة "لسان الحال" أن وفداً شيعياً كبيراً زار المندوب السامي الفرنسي ورئيس الجمهورية اللبنانية يتقدمه السيد عبد الحسين شرف الدين .. شدد على التمسك باستقلال لبنان الكبير ورفض الانضمام إلى سوريا... وأعلن السيد شرف الدين أن الحركة الإنفصالية بين الشيعة قد توقفت وأن كل الشيعة قد التحقوا بالوحدة الإقليمية للبنان الكبير]. وهذا الرضى حملته أيضا قوى ومصالح وطبقات ونخب لا يجوز البتة التهوين من شأنها أو من تمثيلها لشيعة لبنان...
السيد موسى الصدر في إطار الفقه السياسي الشيعي المعاصر
لم يكن صدفة أن يحمل السيد موسى الصدر منذ عاد إلى لبنان تراث السيد عبد الحسين شرف الدين (أي التراث الوطني اللبناني المستند إلى عروبة حضارية لا لبس فيها ولا غبار عليها)، وان يتمايز عن أقرانه ورفاقه الذين أسسوا """حزب الدعوة""" في النجف الأشرف (ما بين عامي 1957 و1959 وهو تاريخ عودة الصدر إلى لبنان).. وهنا تاريخ مجهول لم يفتح أحد صفحاته بعد إلا أنه يستحق الاهتمام والدراسة كونه يلقي لنا ضوءاً كاشفاً على أمور ومواقف ما تزال تتردد أصداؤها إلى اليوم...
فمن المعروف أن الإمام الصدر لبناني الأصل والجذور، والى قرية شحور وآل شرف الدين ينتسب أجداده ومنهم السيد صالح شرف الدين الذي انتقل إلى قرية "معركة" حيث نشأت عائلة الصدر وعاشت مراحل اضطهاد احمد باشا الجزار للعلماء والأهالي في جبل عامل... مما أدى إلى نزوح العائلة إلى "النجف" حيث برز السيد إسماعيل (جد الإمام) ثم السيد صدر الدين الصدر ( والد السيد موسى) الذي قاد حركة دينية إصلاحية تقدمية وارتبط اسمه بالنهضة الأدبية والثقافية للنجف والعراق ومن ثم إيران، التي هاجر إليها وتزوج فيها من السيدة صفيّة كريمة المرجع الديني السيد حسين ال"قم"ي.. وهنا تجدر الإشارة إلى ارتباط السيد صدر الدين بأبرز مراجع التجديد والإصلاح في عصره من السيد ال"قم"ي (والد زوجته) إلى المرجع الكبير المجدد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي الذي عاونه الصدر في إدارة الحوزة الدينية في "قم" وصار لاحقاً أحد أركانها وساهم معه في إنشاء مؤسسات علمية ودينية واجتماعية وصحية.. وهذان المرجعان تتلمذا معا على الميرزا محمد حسن المعروف بـ"المجدد الشيرازي"، وعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي والشيخ محمد كاظم الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني.. وهؤلاء لمن لا يعلم كانوا أركان التيار التجديدي الإصلاحي في الحوزات الشيعية وقادة "الإصلاحية الدستورية" في التاريخ الشيعي... كما أن السيد ال"قم"ي لم يكن فقط صديق ورفيق درب المجدد الشيرازي بل هو رفيق وزميل المجدد النائيني (صاحب كتاب تنزيه الأمة وتنبيه الملة وأحد أكبر الدعاة إلى الحكم الشوروي الدستوري).. والى هذا التراث ينتسب السيد موسى... فهو درس إذن في الحوزة العلمية بـ""قم"" على أيدي أعلام التجديد والإصلاح الكبار.. كما انه كان أول معمم يدخل جامعة طهران الحديثة وكلية الحقوق فيها.. وهذه نقطة ثانية مهمة لفهم العقل المنفتح والثقافة الواسعة التي ميزت الإمام الصدر عن أقرانه... وهو تخرّج من جامعة طهران الحديثة العلمانية وعاد إلى "قم" أستاذاً محاضراً في الفقه والمنطق ومؤسساً لأهم وأكبر مجلة إسلامية شيعية تنويرية إصلاحية ("مكتب إسلام") مع الشهيد بهشتي والشيخ ناصر مكارم وبدعم وتوجيه من آية الله شريعتمداري.. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن رئاسة الحوزة الدينية في "قم" كانت معقودة للمجدد الكبير السيد البروجردي الذي لم يكن الإمام الخميني من أنصاره ومؤيديه، بعكس الإمام محسن الحكيم والإمامين الصدر وشمس الدين الذين كانوا من أنصار البروجردي.
وفي ذلك يكتب الشيخ هاشمي رفسنجاني صراحة أنه "حدثت بعض المشكلات بين السيد الخميني وآية الله البروجردي... قامت منافسة بين نشرتنا "مكتب تشيع" وبين نشرة "مكتب إسلام" التي كان يديرها متقدمون علينا حوزوياً ومن أنصار شريعتمداري... لو أن الإمام الخميني في عصر السيد البروجردي تدخل في الصراعات السياسية لما نجح، لعدم الانسجام بينهما... في عصر البروجردي كانت الأكثرية المطلقة من الطلبة تابعة له... وكان هو المرجع المطلق في باكستان وأفغانستان والعراق والخليج.. وأسس "دار التقريب بين المذاهب" و"مركز هامبورغ الاسلامي"...الخ..."(كتاب رفسنجاني: حياتي.دار الساقي،بيروت،2005،ص32-33-36-38-39).
وقد انتقل السيد موسى الصدر إلى النجف بعد وفاة والده (1953) حيث لمع نجمه خلال فترة وجوده هناك (حتى العام 1959) أي في فترة توهج وسطوع نجم مرجعية السيد محسن الحكيم الذي احتضن الإمام الصدر كما احتضن علماً آخر من جيله هو الإمام شمس الدين... وكانت أول زيارة للسيد الصدر إلى لبنان العام 1955 (حيث تزوج من ابنة السيد عزيز الله خليلي).. وقد تميّزت مرحلة النجف التي شهدت زيارات متكررة إلى لبنان والى "قم"، بدراسته على كبار المراجع: أبو القاسم الخوئي، محسن الحكيم، محمد رضا آل ياسين.. وبإتمامه لمرحلة الدراسات العليا (بحث الخارج) واشتراكه في تأسيس "جمعية منتدى النشر"... وهنا زامل ورافق الإمام الصدر كبار النجف يوم ذاك: الشهيد محمد باقر الصدر(ابن عمه)، والسادة الشهداء مهدي ومحمد باقر الحكيم (ابني السيد محسن)، والشيخ الموسوي الاردبيلي والسيد موسى الشبيري الزنجاني والسيد مرتضى العسكري (أحد ابرز قادة """حزب الدعوة""") والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم.
إن انتماء الصدر إلى التيار الإصلاحي المجدد في إيران والعراق، ورفقته وزمالته لرموز الحركة الإسلامية الإيرانية المدنية ("حركة تحرير إيران" وقيادتها: آية الله طالقاني، د. مهدي بازركان، د. مصطفى شمران، د. علي شريعتي، د. إبراهيم يزدي... وهي حركة إصلاحية كبرى كانت استمرارا وتطويرا لحركة الرئيس مصدق وتيارها المسمى "الجبهة الوطنية") وصلته أيضاً بالمرجع الكبير المعتدل والليبرالي آية الله كاظم شريعتمداري، كل ذلك جعله يفترق ومنذ البداية عن أترابه الذين شاركوا لاحقا في تأسيس ""حزب الدعوة""... ففي ذلك المفصل التاريخي الذي شكلته سنوات 1954-1959 كانت البلاد العربية تغلي بالتطورات المتلاحقة التي حملت اسم فلسطين وعنوان التحرر والوحدة.. وكانت انقلابات سوريا (1949) ومصر(1952) ومعركة الأحلاف، وخصوصا حلف بغداد (1953-1955) وانطلاق الثورة الجزائرية (1954) ثم العدوان الثلاثي على مصر (1956) فالوحدة المصرية السورية (1958) وثورة 14 تموز في العراق ونزول القوات الأجنبية في لبنان والأردن (1958)، قد جعلت لبنان وغيره موقعا لصراع دولي من جهة أولى (روسي-أميركي أو شرقي-غربي) ولصراع عربي من ناحية أخرى (سعودي- ناصري- هاشمي)... فالتيار القومي العربي (الناصري والبعثي) كان يواجه التيار السعودي من جهة والتيار الهاشمي (وحليفه الأساس كان الحزب القومي السوري لمن ينسى أو يتناسى) من جهة أخرى، كما كان يواجه التيارات الشيوعية والإسلامية المختلفة، ناهيك عن الهجوم الدولي الشديد والمركز على المنطقة..وقد عمل شاه إيران في تلك الأيام على ربط الشيعة به ومن ثم بالأحلاف الغربية، يعاونه مسعى هاشمي (أردني-عراقي) وسياسة لبنانية رسمية (الرئيس كميل شمعون). وهنا بالذات تطورت مشاركة بعض أعيان الشيعة في القومي السوري (بعض كبار عائلات النبطية وصور) وتحالفها مع العائلات الأخرى الشمعونية الهوى... إذن، انقسم شيعة لبنان بين هذين التيارين العربيين الكبيرين وممثليهم المحليين (ثورة 1958 تقدم لنا إشارات واضحة حول الانقسام الشيعي رغم النفوذ الجماهيري للناصرية في الشارع)...وفي خضم هذه التيارات والتحركات شهد العراق نهضة ثقافية وسياسية هائلة كان النجف مركزها والمراجع الكبار محورها... فمع السيد الخوئي والسيد محسن الحكيم وولديه مهدي ومحمد باقر، ومع الشيخين الأخوين محمد رضا ومرتضى آل ياسين (أخوال السيد موسى)، والسيد محمد صادق الصدر (ابن عم السيد موسى وجد السيد مقتدى)، تشكلت حلقات الدراسة والتفكير ووضعت برامج الحركة والعمل بدءا بـ"جمعية منتدى النشر" و"جماعة العلماء" (ومجلتها "الأضواء") ومرورا بـ"منظمة الشباب المسلم" و"منظمة المسلمين العقائديين" (وقائدهما عز الدين الجزائري) و"الحزب الجعفري" (عبد الصاحب دخيل وحسن شبر ومحمد صادق القاموسي وقد صاروا لاحقاً من المؤسسين لـ"""حزب الدعوة""")، ووصولا إلى ""حزب الدعوة""... وكانت الأجواء العربية الملتهبة حافزا للطلبة والعلماء في النجف وكربلاء وبغداد وسامراء إلى البحث عن اطر مناسبة للتحرك الإسلامي الجاد يلبي احتياجات الشيعة العراقيين من جهة (وهم كانوا حرموا أية مشاركة في الحكم رغم ثوراتهم التاريخية ضد الاحتلال البريطاني)، ويواجه الاتجاهات الحديثة التي كانت تغزو بسرعة عقول وقلوب الشباب في مواجهة الملكية والاستعمار (المقصود الاتجاهات الليبرالية والقومية واليسارية والشيوعية منها تحديدا)...
وهنا يجدر تسجيل حادثة مهمة كان لها الأثر الكبير في التحركات اللاحقة وهي مظاهرة النجف الكبرى دعما لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي.. فقد شهد العراق مظاهرات صاخبة ودامية كان أعنفها وأكثرها تأثيرا مظاهرة النجف الأشرف التي قمعتها السلطة بوحشية رهيبة وتلاها إعلان الأحكام العرفية في البلاد... ورغم ذلك استمرت التظاهرات في النجف وأبرزها تلك التي خرجت يوم 23-11-1956 وشارك فيها علماء الدين وأسفرت عن مجزرة دموية ارتكبتها السلطة وراح ضحيتها عدد كبير من الأهالي (ذكرت مجلة "العرفان" اللبنانية إن عدد القتلى بلغ 450)... وقد تلا ذلك بيان عنيف للمرجع الشيعي السيد الحكيم وإعلان الإضراب العام الشامل في النجف وهو إضراب تجاوب معه العراق كله وانضمت إليه مصر ولبنان وسوريا...
والى تأثير هذه الحركة الجماهيرية في النجف، وتأثير حركة مصدق في إيران والتي أسقطتها المخابرات الأميركية، جاءت تجارب لبنان (ثورة 1958) والجزائر (انطلاق ثورة التحرير الوطني) وفلسطين (حركة فتح) لتضيف وعيا كبيرا إلى تحرك شباب الحوزات والطلبة والعلماء في النجف. كما بدا بوضوح تأثر النجفيين بالتجربة الإيرانية الشديدة الوطنية إلى حدود التعصب (وكلنا نعرف ذلك) كما بالتجربة الجزائرية والتجربة الفلسطينية الوليدة، وهما تجربتان وطنيتان صافيتان لا بل أنهما تشكلتا من رحم الاعتماد على الذات الوطنية وليس على المد العربي (تجربة الجزائر المتميزة بمزيج إسلامي – جزائري شديد الخصوصية و تجربة حركة فتح التي خرجت قياداتها من رحم الإخوان المسلمين وعلى أساس الوطنية الفلسطينية).. وقد عرف عن الإمام الصدر في تلك المرحلة تأثره الكبير بـ"فرانز فانون" و"علي شريعتي" وبثوار الجزائر و"فتح" بقدر تأثره بالدراسة الحوزوية (وأساتذته فيها) وبالتجربة الإيرانية الوطنية-الإسلامية...
في مثل هذه الأجواء ولدت فكرة تشكيل حزب إسلامي شيعي في العراق أسوة بالإخوان المسلمين وحزب التحرير وحركة فتح وجبهة التحرير الجزائرية وحركة تحرير إيران ومنظمة فدائيان إسلام الإيرانية (وقائدها نواب صفوي المتأثر بحسن البنا)... وقد رأى الداعون إلى هذا العمل ضرورة النهوض بأعباء المرحلة وفي مقدمتها طرح الإسلام كعلاج للازمات الاجتماعية السياسية في مقابل التيارات الفكرية الأخرى التي كانت تستقطب شباب العراق، ومواجهة هذه التيارات بنفس الأسلوب الحركي التنظيمي الهادف إلى إيجاد وسائل للوصول إلى قطاعات في المجتمع كان يصعب الوصول إليها من خلال العلماء والطلبة الحوزويين في ذلك الوقت (مثل قطاعات الموظفين الحكوميين والطلبة الجامعيين في المدن الكبرى وأصحاب المهن الحرة وظباط وجنود الجيش)...
وفي تلك المرحلة بالضبط بدأ المشروع الإصلاحي اللبناني للإمام الصدر بالتبلور... فهو عايش معايشة وثيقة الحلقة الضيقة المؤسسة والقائدة لما أصبح فيما بعد """حزب الدعوة"""... إذ في منزل السيد محسن الحكيم أو ولديه مهدي ومحمد باقر، أو في منزل السيد الخوئي نفسه، أو الشيخ مرتضى أو الشيخ محمد رضا آل ياسين، كانت تعقد الاجتماعات التأسيسية وبحضور أبناء السيد محسن ووكلائه الأساسيين (محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد باقر الصدر إلى جانب السيد مرتضى العسكري ومحمد صادق الصدر ومحمد حسين فضل الله والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد محمد بحر العلوم والشيخ عارف البصري والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد هادي السبيتي وغيرهم). غير أن السيد موسى الصدر لم يكن مرتاحا للعمل وفق النمط الحزبي الإسلامي الحركي للإخوان المسلمين أو حزب التحرير... خاصة وان بعض كبار مؤسسي "حزب الدعوة" كانوا ينتمون في البداية إلى هذين الحزبين (عارف البصري ومحمد هادي السبيتي- وهو لبناني اغتيل لاحقا في الأردن- وطالب الرفاعي).. كما أن التوجهات الفكرية والتنظيمية الأساسية للحزب الجديد جرت صياغتها استنادا إلى كتابات الباكستاني أبو الأعلى المودودي والمصري سيد قطب والفلسطيني تقي الدين النبهاني.. وكان السيد الشهيد محمد باقر الصدر متأثرا بكتاباتهم إلى حد كبير.. وهذه حقيقة أكدها لي مرارا الإمام شمس الدين كما أشار إلى دور المجلات المصرية التي كانت تصل إلى النجف في تلك الأيام... كما أن الإمام الكبير آية الله حسين منتظري أكد في أحاديث كثيرة تأثير سيد قطب عليهم في "قم" والنجف ومحاولتهم التوفيق بينه وبين عبد الناصر.. وقال منتظري انه يوم إعدام سيد قطب (آب 1966) بكى بحرقة وهو في السجن في طهران... وقد روى أكثر من مرجع إيراني وعراقي تأثرهم بالثورة الجزائرية وبتجربة جبهة التحرير الوطني (وقد ظلت العلاقة المميزة بين "حركة أمل" والجزائر إلى يومنا، هذا تأسيسا على ما بدأه الإمام الصدر، ولعل الإمام لم يكن ليسافر إلى ليبيا لولا الطلب الخاص من الرئيس بومدين)....
كانت مرحلة "قم" والنجف، إذاً، عاصفة ومليئة بالتحولات الفكرية التي كانت تعيشها النخب الدينية الشيعية.. (وهنا نفتح قوسين لعرض بسيط للحراك الإيراني الذي كان السيد الصدر مرتبطاً به منذ مرحلة الرئيس مصدق.. فالمعروف أن القيادات الدينية الشيعية وقفت مع مصدق ضد الشاه الذي انتصر بدعم أميركي كبير وعاد إلى الحكم في 19 آب 1953. أدى انهيار حركة مصدق الوطنية إلى نشوب صراعات بين قوى الجبهة الوطنية وقوى علماء الدين وعلى رأسهم آية الله كاشاني وحركة فدائيي إسلام (نواب صفوي).. دعم آية الله كاشاني وصدر الدين الصدر والخوانساري حركة "نواب صفوي" إنما بتحفظ بسبب تطرفهم، في حين كان المرجع البروجردي يعلن عن عدم رضاه عن تصرفاتهم. وبعد وفاة كبار المراجع في "قم" (البروجردي والخوانساري والصدر)، برز العلماء شريعتمداري والحكيم والكلبايكاني ومرعشي نجفي والخوئي.. إلا أن السيد محسن الحكيم أخذ محل البروجردي كمرجع أوحد في عصره.. والجدير ذكره هنا أن الإمام الخميني تجنب الإعلان عن إقامة مجالس عزاء للبروجردي (على مقتضى ما جرت به العادات) "خوفاً من ظهور شائبة من الشوائب ولم يكن راغباً حتى في كتابة رسالة"(رفسنجاني-ص49). إن هذا الأمر يكشف لنا تماماً عن حقيقة الصراعات في "قم" وأطرافها ومواقعهم وأدوارهم. ومن رحم هذه الصراعات ولدت "حركة نهضت آزادي" (حركة تحرير إيران-1960) وقائدها مهدي بازركان وآية الله طالقاني والدكتور علي شريعتي، "وهم كانوا يعطون أهمية كبيرة للانفتاح الفكري ولإرضاء المثقفين المتنورين.. والعلماء وتجار البازار المتدينين..(رفسنجاني، ص60). وأسس آية الله شريعتمداري "دار التبليغ" وهدفه "إيجاد مراكز تعليم أكثر تنظيماً متعددة البرامج داخل الحوزات التقليدية... وكان قانعاً بإلقاء الدروس والأبحاث والتبليغ والمهام الدينية.."(رفسنجاني، ص106-107)). وكان السيد الحكيم يؤسس في العراق المكتبات العامة ويقوم بتحديث التدريس الحوزوي والاحتفالات بمناسبة عاشوراء يساعده السيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين وغيرهما.
حين قرر السيد موسى الرجوع إلى لبنان كانت قد نضجت في رأسه واختمرت فكرة العمل الذي كان ينوي القيام به... وقد أخبرنا الإمام شمس الدين أن الفكرة نضجت بالتشاور مع السيد محسن الحكيم الذي أعطى الإمام الصدر وكالة عامة وتفويضا كاملا.. ولم تمض اشهر على عودة الصدر إلى لبنان (1959) حتى اندلعت الانشقاقات والصراعات داخل"حزب الدعوة" الأمر الذي أدى إلى طلب السيد محسن الحكيم من أبنائه والمخلصين له الانسحاب من الحزب.. فانسحب السيد مهدي ثم السيد محمد باقر (اثر عودته من بنت جبيل في لبنان ولقاءاته مع السيد الصدر، والسيد محمد باقر الحكيم هو، للمناسبة، ابن شقيقة السياسي اللامع علي بزي وكان يحضر مجالسه في لبنان، وبالتالي فهو ابن خالة السيد فضل الله) ثم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وتبعهم آخرون.. إلى أن أعلن السيد الشهيد محمد باقر الصدر فتواه التاريخية بعدم جواز انتساب علماء الدين وطلبة العلوم الدينية إلى أي حزب كان إذ هم يعملون للإسلام أي لكل الناس... وما زالت هذه الوقائع في أساس السجالات والخلافات داخل "حزب الدعوة" والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وما بينهما إلى يومنا هذا.. المهم هنا تسجيل الفرادة والتميّز للإمام الصدر ومنذ مرحلة مبكرة، ووعيه لظروف وأوضاع الشيعة ولحاجات التنظيم والاستنهاض التي رأى أنها لا بد أن تختلف عن نمط التنظيم الحزبي الغربي الذي يحمل أسماء إسلامية.هكذا إذن تبلور تيار "حزب الدعوة" الذي بدأ يعمل في لبنان من خلال السيد محمد حسين فضل الله (والمشايخ صبحي الطفيلي وعلي كوراني وحسين كوراني وغيرهم) وواجهته الطلابية المسماة "الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين"(أبو سعيد الخنسا ومحمود قماطي ومحمد رعد ونعيم قاسم وغيرهم)، وفي مقابله تيار العمل الاصلاحي الذي مثله موسى الصدر وشمس الدين...
الشيعة في ثورة 1958 وما بعدها
تشير حوادث 1958، (قبل مجيء الامام الصدر إلى لبنان)، إلى التنوع و التعدد في الحراك الشيعي الذي كانت تحكمه العائلات الكبرى، (الأسعد والخليل وعسيران والزين في الجنوب وحمادة وحيدر في البقاع الشمالي)، التي شكلت رأس هرم السلطة والزعامة الشيعية، يليها رؤساء العائلات الأدنى جاهاً ونفوذاً، (الفضل والعبد الله وبزي وبيضون في الجنوب، وياغي وزعيتر وشمص وجعفر في البقاع)، يليهم رجال الدين الكبار الذين تحالفوا مع هذا الزعيم أو ذاك، (مثال عبد الحسين شرف الدين مفتي صور ومحمد الصادق مفتي النبطية).
أما «المثقفون الشيعة» فلم يكن لهم أدنى نفوذ أو هيبة أو دور في تلك الأيام. وهم كانوا على كل حال أقلية من الصحافيين والكتاب لا قوة سياسية لهم، (مثال كامل مروة وجريدة "الحياة"، أو نزار الزين ومجلة "العرفان")، الأمر الذي يفسر اندفاع الكثيرين منهم إلى الدخول في الأحزاب القومية واليسارية، الحزب الشيوعي خصوصاً، ثم حزب البعث وحركة القوميين العرب، في حين دخلت عائلات كانت ترى نفسها جديرة بالزعامة، في الحزب السوري القومي، مثل "الدنادشة" وحلفائهم في بلاد بعلبك، وآل حلاوي في صور.
أما الأطراف الشيعية في ضاحية بيروت الجنوبية وبلاد جبيل والبترون وبعض قرى جبل لبنان ، فقد شكّلت خزاناً للواردين إلى وظائف الدولة اللبنانية يعتمدون على الزبائنية الخاصة بالزعماء السياسيين لتلك المناطق. وهم كانوا في الغالبية ينقسمون ما بين التيارين الشمعوني والجنبلاطي في الجبل (عائلات الجية والوردانية وجون والقماطية وكيفون والضاحية الجنوبية) أو بين الكتلوي والدستوري في جبيل.
عشية ثورة 1958 كان الانقسام السياسي في البلاد قد بلغ مداه ما بين تيار مؤيد للجمهورية العربية المتحدة، (وحدة مصر وسوريا بقيادة عبد الناصر)، وتيار مؤيد لحياد لبنان بدعم غربي أولاً، وبتحالف مع العرب المعتدلين ثانياً، (حلف بغداد والعلاقة مع العراق والأردن).
في مطلع عام 1957، أيدت حكومة الرئيس سامي الصلح مبدأ إيزنهاور، (وفيه التزامات تجاه الغرب وضد الاتحاد السوفياتي)، بعد أن كان الرئيس شمعون قد سار بالبلاد في اتجاه الأحلاف الغربية منذ مطلع 1954. وفي نيسان 1957، استقال الزعيم أحمد الأسعد من حكومة الصلح ليعزز الانقسام الشيعي بين موالاة ومعارضة، قبيل الانتخابات التي دعا إليها شمعون في حزيران من نفس العام. وانضم إلى لوائح المعارضة كامل الأسعد وصبري حمادة وعلي بزي ومحمد صفي الدين ورفيق شاهين وسليمان الزين ورياض طه والدكتور محمد خليفة، في حين تشكلت لوائح الموالاة من عادل عسيران وكاظم الخليل ويوسف الزين وإبراهيم حيدر وصالح الخليل. وقد خسر أحمد الأسعد إذ ترشح في صور معقل آل الخليل، (نال 6850 صوتاً مقابل 8130 لكاظم الخليل، ونال محمد صفي الدين حليف الأسعد 5845 صوتاً مقابل 7512 لرضا وحيد). ولا تعنينا هنا النتائج التفصيلية لتلك الانتخابات، (التي فازت فيها الموالاة طبعاً مما يشير إلى ميل الناخبين مع طواحين السلطة مهما كانت، ناهيك عن انتقال الكثيرين لاحقاً الى مواقع أخرى)، بقدر ما تعنينا التطورات التي تلتها والتي كان محورها الأستاذ عادل عسيران الذي انتخب رئيساً للمجلس النيابي. فذلك القومي العربي الاستقلالي، رفيق رياض الصلح وشكري القوتلي، والذي أيّد عبد الناصر في وجه العدوان الثلاثي، (تشرين الثاني ـ نوفمبر 1956) وأيّد وحدة مصر وسوريا، (شباط ـ فبراير 1958)، كان في قيادة الموالاة للرئيس شمعون وتعاون كرئيس للمجلس مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، (انتخب عادل بك رئيساً للمجلس في 13 آب 1957). وخلال أحداث 1958، احترم الدستور اللبناني ورفض المس به أو العمل ضد ثوابت الكيان وضد المؤسسات والممارسة الديمقراطية.
وهو التقى عبد الناصر في دمشق في آذار 1958، ونقل عنه قوله إنه يحب لبنان ولا يريد زواله أو تهديد استقراره. وفي نيسان 1958، أمضى الرئيس عسيران عطلة الأعياد في القاهرة، وألقى فيها تصريحات عن لبنان والوحدة العربية والعلاقات المميزة مع مصر. وحين اندلعت الحوادث المشؤومة، رفض عادل بك ضغوط الزعماء الشيعة للاستقالة، قائلاً إنه لا يريد المساهمة في إحداث فراغ سياسي ودستوري وإن موقعه ودوره مهمان للخروج من الأزمة بتسوية ولقيام انتخابات رئاسية جديدة.
وقد استقال رشيد بيضون في أواخر أيار 1958 من حكومة الصلح، وذلك تحت ضغط الشارع، علماً أنه كان رفض المشاركة في الثورة ودعا إلى وقف العنف والقتال لأن ما يحصل يهدد وجود لبنان. ووقف إبراهيم حيدر موقفاً مماثلاً وذهب إلى حد تأييد شكوى لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة أمام مجلس الأمن. وحين حصل الإنزال الأميركي على شواطئ بيروت في 15 تموز 1958، أبرق عادل عسيران إلى الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد معتبراً العمل الأميركي عدواناً ضد سيادة لبنان واستقلاله.
وكان الشيخ محمد جواد مغنية، (العروبي الناصري)، هاجم عادل عسيران واتهمه بالسكوت والصمت أو بعدم الوضوح (التلغراف 26/5/1958). في حين وقف معظم العلماء الشيعة مترددين: فهم من ناحية ضد سفك الدماء، ومع الاستقرار ووحدة لبنان ومع العروبة والممانعة، وهم من ناحية ثانية على علاقة بالنجف و"قم" وبالنظامين العراقي والإيراني؛ والنزاع، حقيقةً، كان بين مصر الناصرية والعراق الهاشمي. وفي 3 حزيران 1958، صدر بيان علمائي يدعو إلى وقف القتال والعودة إلى الحال الطبيعية وصيغة التفاهم والميثاق الوطني، وقّعه: مهدي إبراهيم ، محمد تقي صادق، حسن معتوق، محمد علي المقداد، عباس أبو الحسن، رضا فرحات، علي مهدي ابراهيم (جريدة التيار 3/5/1958). وفي آخر حزيران وجّه علماء شيعة رسالة إلى داغ همرشولد رحبوا فيها بتدخل الأمم المتحدة في الأزمة، مع تأكيدهم على أنهم كانوا مع وجود لبنان بقوة (التيار 30/6/1958).خلاصة هذا الاستعراض أن الوعي الشيعي لحظة وصول السيد موسى الصدر إلى لبنان كان يتشكّل من 3 عوامل متداخلة: الإسلام، العروبة، ولبنان، وأن عادل عسيران هو من جسّد هذه العوامل في الشخصية الحقيقية للشيعة في تلك المرحلة. ومن هنا نفهم كيف أن الرئيس بري وحركة "أمل" ورثا القاعدة العسيرانية في منطقة الزهراني، وبنيا على التحالف مع العائلات الكبرى في النبطية وصور، وورثا أيضاً الشيعية الشمعونية (أو اليمينية بحسب عبارات ذلك الزمن) في الضاحية والجبل، في حين ورث حزب الله قاعدة آل الأسعد وأحزاب اليسار والفلسطينيين في الجنوب...
وتشير حوادث 1958، اضافة إلى الانقسام السياسي الوطني والعربي بين الشيعة، (موالاة ومعارضة، ناصرية وهاشمية)، إلى بروز وعي جديد وفئة جديدة من المثقفين حملتها التجربة الشهابية. وهنا بالضبط كان مشروع الإمام الصدر على موعد مع الحالة التي أفرزتها ثورة 1958. فقد خسر عادل عسيران انتخابات رئاسة المجلس أمام كامل الأسعد (15 آب ـ أكتوبر 1959) الأمر الذي ساهم في التعجيل بعودة الإمام الصدر وبدء تحركه في صور.
التيار الشيعي الإصلاحي اللبناني
عاد الإمام الصدر إلى لبنان عام 1959 (أي عشية انتهاء الثورة والثورة المضادة وبداية العهد الشهابي) وفي رأسه وعقله مشروع، بحجم معنى لبنان ودوره كما وصفه شمس الدين..
قرأ الإمام الصدر تقارير بعثة ايرفد ("حول حاجات وإمكانيات التنمية في لبنان"- صدر عام 1960) وتابع بدايات التجربة الشهابية في مجال الدراسات التنموية والتخطيط الاقتصادي والإنعاش الاجتماعي والاقتصادي والثقافي... وهو استند إلى هذه التقارير والمتابعات لفضح هول الواقع الذي عاشته وتعيشه مناطق تمركز فيها البؤس والحرمان والفقر (الجنوب وبعلبك – الهرمل وضواحي بيروت ).. ولم يكتف الإمام بالدراسات والتقارير... فهو ساح في طول البلاد وعرضها وانتقل من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية في رحلة استكشاف ميدانية جعلته قريبا من نبض الناس وهمومها..وهو الأمر الجديد في الوسط الديني الشيعي اللبناني الذي كان يكتفي بالوعظ والإرشاد..(وله في ذلك كلمة لطيفة:"إذا كانت شغلتي هي الصوم والصلاة فقط، ومسائل الزواج والطلاق، فإنني سأرحل إلى بلد آخر، فأرض الله واسعة... إنني صاحب رسالة مؤتمن من المرجع الأعلى"-أي السيد الحكيم)... وقد تحرك الإمام في طول البلاد وعرضها معايشاً آلام الناس وحرمانهم، ناسجا علاقات المودة والمحبة والإنسانية الحميمة مع كل الفئات... وتلك كانت أولى بذور رؤيته المميزة لأي مشروع إصلاحي: الناس البسطاء الفقراء الشرفاء هم الأساس. وهو انشأ الجمعيات والمؤسسات..وحاضر وناقش وتحدث في كل الأمكنة من المساجد والكنائس إلى البيوت والنوادي والمراكز الثقافية مركزا على وظيفة الدين في الاستقامة الأخلاقية وفي الصدق وفي المحبة والتعاون... وتلك كانت القاعدة الثانية في رؤيته الإصلاحية...... وشارك في إطلاق الحركة الاجتماعية ( مع الأب غريغوار حداد)، وحوارات الندوة اللبنانية (مع ميشال الأسمر والأب يواكيم مبارك والأب جورج خضر والشيخ صبحي الصالح ) وندوة الدراسات الإنمائية (مع الدكتور حسن صعب)... ناهيك عن عشرات الجمعيات والمنتديات التي كان لها لاحقا الفضل والدور في بناء كوادر المحرومين (معهد الدراسات الإسلامية و مهنية جبل عامل على وجه الخصوص) وإطلاق المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي..
وهو كان يؤمن بالعمل البسيط المثابر لإنجاز تغييرات بنيوية... وتلك ميزة إيرانية كان اللبنانيون يفتقرون إليها... فها هو ذلك الإمام الكبير يعمل مع عشرات المتطوعين على إعادة تأهيل وتفعيل مسجد صور ونادي الإمام الصادق فيها ثم جمعية البر والإحسان الخيرية...ثم في جمع التبرعات والمساعدات لإنشاء مشروع القضاء على التشرد والتسول في مدينة صور... ثم في إيواء وتعليم الأيتام ومساعدة المحتاجين وصولا إلى تأسيس مهنية جبل عامل ومدرسة البنات (بيت الفتاة) ومدرسة الخياطة والتفصيل ومدرسة محو الأمية... وغيرها من المشاريع الصغيرة البسيطة التي أرست القاعدة الثالثة للرؤية الإصلاحية: العمل المثابر والمتواصل والتقدم ببطء وإنما بثبات في تحقيق الإنجازات مهما كانت صغيرة، للمراكمة والبناء عليها...وأول نص مسجل وموثق للإمام (على حد إطلاعي) هو خطابه أو بيانه الأول بصفته ناظرا عاما لجمعية البر والإحسان في صور (صدر بتاريخ 31-12-1961) وفيه يستعرض الإمام أعمال الجمعية خلال عام 1961 أي منذ مباشرته العمل فيها حيث يقول:"وباشرنا العمل معا في أوائل سنة 1961 بتطوير القانون الأساسي والنظام العام فأصبحت الجمعية تعاونية تركزت فيها طاقات جميع المواطنين في صور وصدقاتهم تقريبا"...
وهنا القاعدة الرابعة في المشروع الإصلاحي للصدر:تركيز طاقات الجميع في مشاريع محددة... وقد بلغ عدد أعضاء الجمعية في عام 1961 حوالي الألف من الرجال والنساء..وفي كلمته عن أعمال الجمعية للعام 1962(31-12-1962) يدحض الإمام الفكرة القائلة بان الجمعية طائفية تسعى لخدمة فئة معينة من المواطنين ويؤكد على أنها لا تفرق بين الناس وهي تقوم بأداء واجبها الاجتماعي في علاج مشكلة الفقر والمرض والجهل في صور دون النظر إلى الطائفة أو المذهب... إلا أنه يؤكد أيضا على قيام الجمعية بدورها الخاص في الوسط الإسلامي الشيعي (إقامة الشعائر، إدارة الأوقاف، مراقبة المسجد والمجالس الحسينية الخ..)..وهنا القاعدة الخامسة في مشروعه وهي أن انتماء الجهة الإصلاحية إلى هذه الطائفة أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك لا يؤدي بالضرورة إلى طائفيتها... فالعبرة في الخطاب وفي المشروع وفي النية وفي العمل من اجل إصلاح البلاد والعباد...
لقد عمل الإمام الصدر ومنذ اللحظة الأولى على إرساء دعائم مشروعه على ركيزة تتمثل في العمل على الاستفادة من كل العناصر الايجابية في لبنان بهدف توفير الشروط المؤدية إلى بناء شخصية سياسية مؤمنة و متوازنة لشيعة لبنان (على حد وصف الدكتور حسن الضيقة في أول وأهم تقويم لمسيرة الصدر)، شخصية واثقة سوية تكون قادرة على مواجهة التحديات، وتساهم في إنهاض حركة الناس (كما كان يحب الإمام أن يقول وهو يقصد المجتمع الأهلي والمدني على السواء) على قواعد التعاون والتضامن والاعتماد على الذات والمبادرة والتنظيم المؤسسي...
ولا شك أن الإمام وبفضل إطلاعه الواسع وعلاقاته الأوسع ودراساته العميقة في حوزات النجف و"قم" كما في جامعة طهران الحديثة، ومن خلال ممارسته العملية مع الناس وبين الناس ومن اجل الناس، وقراءته للتقارير الرسمية والدولية، وتشخيصه الخاص للواقع اللبناني والشيعي فيه تحديدا، قد اكتشف فرادة هذا الواقع من جهة، والامكانات الايجابية الضخمة التي يزخر بها من جهة أخرى، فعمل على البناء عليها وتطويرها...ولا ننسى انه بدأ مع "قم"ة توهج المشروع الشهابي ومرحلته التاريخية التي تميزت ببناء المؤسسات وبإفساح المجال أمام إدارة جديدة تحديثية وبتوسيع شبكة الخدمات العامة والتزام التنمية والعناية بالمناطق المحرومة وتوسيع التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية....وقد ارتكز الإمام الصدر على هذه الحالة التي أفرزت طبقة وسطى مدينية وريفية حديثة التكوين واسعة ومستقرة ومتعلمة ومتحفزة للعمل الاجتماعي والثقافي..والإمام عاصر صعود وسقوط الشهابية..
وهنا نقطة تستحق التوقف عندها نظرا لما كان لانهيار هذه الطبقة الوسطى الشيعية المتعلمة والناشطة من تأثير على تحولات حركة أمل وذلك منذ كارثة سقوط النبعة والتهجير القسري للشيعة من كل ضواحي بيروت الشمالية (1976)، مرورا بشتى المعارك في الحرب الأهلية وقد كان الشيعة وقودها الأساسي، ووصولا إلى الاعتداءات الصهيونية المتلاحقة والتي أكملت عملية تهجير وتفسيخ وإفقار وتشريد عشرات الآلاف من الشيعة (لم يدرس أحد ما حدث للحيوية المدنية-السياسية للشيعة بتأثير الحرب الأهلية وحروب العدوان الإسرائيلي في الجنوب، كما بتأثير المال الإفريقي والخليجي بعد طفرة النفط في السبعينات)... ولذا فان الإمام هدف في دعوته للارتكاز على القوى الايجابية إلى محاصرة الأخطاء والنواقص المحسوبة على الزعامات التقليدية السياسية والدينية ( طبعا ينسى البعض الإقطاع الديني الذي حارب الصدر حتى الرمق الأخير لأنه كان ينتمي إلى سياق الإصلاحية الدينية الدستورية الشيعية في النجف و"قم") والى منع تفاقمها أو تكرارها أو انتشارها في المجتمع بناء على ما عرف عنه من هدوء طبع وسلام وصفاء فكر ومن تواضع ومعرفة (وهذه صفات لا نعرف لماذا يحاربها بعض رجال الدين من الشيعة اليوم) أعانته على تجسيد مقولته في البناء لا الهدم، والوصل لا القطع، وفي الاستفادة من كل التجارب والخبرات وذلك في منهج تجريبي واضح لا لبس فيه (أي انه لم يحمل أيديولوجية ثورية جاهزة للتطبيق على لبنان) إذ انه هو القائل: "إن في الإسلام بذورا للتطوير وجعل الأحكام منسجمة مع حاجات الإنسان في كل زمان ومكان.. وان المشكلة الكبرى في قضايا الشريعة الإسلامية أنها بقيت قرونا طويلة معزولة عن الحياة العامة ولذلك فهي تحتاج إلى تجارب قبل التنفيذ" ( مجلة المجاهد الجزائرية – في 12-8-1973)...
لقد وعى الإمام أن ما يطلبه لا يمكن الوصول إليه عبر إي نهج يتسم بضيق الأفق:فلا المراهنة على الدولة ومؤسساتها وما تتصف به من فساد واختلال ومن سوء استغلال للسلطة (أكلة الجبنة على حد وصف الرئيس شهاب وقد نجحوا في إجهاض تجربته، من بين عوامل أخرى ليس هنا مجال بحثها).. ولا العمل على تأسيس حزب سياسي معارض أو الانكفاء ضمن إطار طائفي منغلق، هو ما يلبي طموحات المحرومين.."ففي هذا الجو من الإهمال والحرمان والدونية التي تعيشها الطائفة الإسلامية الشيعية تنامت إرادة تبحث عن وطن حقيقي تتساوى فيه طوائفه ومناطقه"(من مؤتمر صحفي للإمام في 15-8-1966)...رأى الإمام أن حالة الاختلال والفساد حالة عامة لا تقتصر على رأس الهرم بل هي تخترق بنية الاجتماع اللبناني من أعلى "قم"ة السلطة وحتى قاعدة المجتمع الأهلي...ففي أعلى ال"قم"ة فساد الإدارة والرشاوى وتوازنات المصلحة والمحاصصة وتعيينات المحسوبيات والتزلم والانتهازية السياسية وإقطاع سياسي-مالي-وديني- متحكم... أما في القاعدة فان بنية المجتمع الأهلي تخترقها انشدادات فكرية وثقافية وسياسية مرتهنة إما لقوى دولية ظالمة وإما لحسابات إقليمية متضاربة وإما لمصالح قبلية وعشائرية وطائفية ومناطقية ولزبائنية ضيقة ومتناحرة (وهذا التوصيف أستعيره مرة أخرى من الدكتور حسن الضيقة).. لم يكن في ذهن الصدر صياغة مشروع فئوي مذهبي أو تقزيم مشروعه الوطني العربي الإسلامي الإنساني وتحويله إلى رهينة لمطالب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، أو رهينة لظرف سياسي أو لضرورة إقليمية أو لتحالف قوى محلية-إقليمية (على ما يفعل البعض اليوم للأسف)..لم يبحث الإمام عن حل سياسي سهل وسريع يمكنّه من دخول مسرح الصراع السياسي بسرعة لكن على حساب مشروع التغيير الشامل المتكامل... إنما عمل الإمام على بناء حركة تتسم بشمولية وتعددية الإيقاعات وتبتعد عن الأحادية قدر الإمكان..فهدفه كان التحريك الايجابي لكل العناصر الايجابية في بنية الاجتماع اللبناني من خلال تحريك ايجابي للمجتمع الأهلي المحروم وللطائفة الشيعية تحديدا..لم يكن مشروع حركة المحرومين مشروعا لتيار أو حزب أو طبقة أو مطلب بل كان مشروعا لتحريك ايجابي لكل العناصر الايجابية يسمح بدخول المحرومين من كل الطوائف والمناطق إلى مسرح التغيير.ولعل هذا البعد التغييري في حركة الإمام هو ما غاب فهمه عن اليسار التقليدي يومها أو لعلهم فهموه ولذلك خافوا الإمام وحاربوه....انطلق الإمام من حقيقة "أن للطائفة الشيعية امكانات وطاقات كثيرة وكبيرة لا يستفيد منها لبنان ولا أبناء الطائفة إلا بجزء يسير منها وذلك لعدم التنظيم"(مجلة الأسبوع العربي:19-5-1969).. ومن كون "التنظيم شرط أساسي لنجاح كل عمل، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سيؤدي إلى تنسيق الطاقات الإسلامية الشيعية اللبنانية ومنعها من الهدر والاصطدام... ومن الطبيعي أن هذا السعي سوف يقابل بصورة حتمية بتعاون الطوائف الشقيقة والسلطات المسؤولة وسوف يعالج الحيف المزمن اللاحق بهم..وأؤكد أن هذا التنظيم لن يفرق إطلاقا بين المسلمين بل سيسهل مهمة التوحيد الكامل عن طريق الحوار والتفاهم...والمجلس سوف يسعى لتنسيق نشاطاته كلها مع باقي الطوائف اللبنانية الشقيقة وتعميق وحدة المسلمين وإحكام روابط الإخوة بين اللبنانيين وتوطيد الوحدة الوطنية" (صحيفة الرقيب: 2-6-1969)..لقد أراد الإمام إطلاق الطاقات الايجابية للنخب الشيعية الواعية وللجماهير المحرومة وذلك على قاعدة العدل والتشيع الأصيل وفي خدمة الإنسان والوطن وذلك من خلال إيجاد مناخات نفسية وفكرية وسياسية وتوحيدية تتجاوز شتى الانقسامات..كانت حركة المحرومين لتغيير الذهنية وتغيير الواقع، " ومن اجل أن لا يبقى محروم واحد في لبنان أو منطقة محرومة".. انطلق مشروع الإمام "من الإيمان الحقيقي بالله وبالإنسان وبحريته الكاملة وكرامته... لتشكيل حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة ارض الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان" (من الميثاق التأسيسي لحركة المحرومين). وهذا ما جعل الأستاذ غسان تويني يكتب: "ثورة الشيعة وهي ثورة طائفية باسم سائر الطوائف ومن اجلها جميعا.. وهي تتجاوز القضايا السياسية التقليدية إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية... فقضية الحرمان والظلم، وقضية الأرض الحقيقية "(النهار 18-3-1974)...وفي البيان الذي صدر بتوقيع 190 مفكرا ومثقفا من جميع الطوائف: "إن هذه الحركة إذا سميناها افتراضيا حركة طائفية هي الحركة الطائفية الوحيدة في لبنان التي تحمل جوهرا تقدميا... إن أهمية الحركة التي يقودها الإمام الصدر أنها عرّفت قطاعا عريضا من قاعدتها بوعيها بامكاناتها وبقدراتها على التغيير".(النهار 26-11-1974)... وتحت عنوان "حركة الإمام الصدر بين الشيعية واللبنانية" كتب المرحوم العلاّمة الأب يواكيم مبارك:"اعتقادي الشخصي أن شيعية الإمام وحركته لا تحتاجان إلى نكران ولا إلى تبرير..فعلاوة على أننا لا نشك بوطنية الإمام وشمول حركته، احسب هذه الشيعية ضمانة كبرى للأصالة وربطا من عمق التاريخ اللبناني بأعماق العالم العربي... فجدلية هذا التاريخ قائمة باستمرار، تتجاوز الطائفية بفضل الدعوة التي اتخذت لبنان معقلا للتجدد الذاتي وموئلا للتفاعل الحر ورباطا لكل فتح خير ".(النهار 14-12-1974)....
ويقول النائب السابق محمود عمّار أن "الإمام الصدر كان شديد الحرص على الكيان اللبناني .. ولم يكن الإمام يريد الوصول بحركته إلى المساهمة في تقويض الكيان والمجتمع اللبنانيين بل إلى تعزيز دور الشيعة في الحياة اللبنانية عبر النهوض بهم اجتماعياً وسياسياً"(في حديث سيرة مقتضبة مع فادي توفيق نشره ضمن كتابه"بلاد الله الضيقة:الضاحية أهلاً وحزباً"،دار الجديد،2005،ص.96-97)..
د. سعود المولى
أستاذ علم الاجتماع السياسي والإسلاميات
الشفاف