ورأى "أننا نشهد نهاية نظام الرأسمالية غير المنضبطة لمصلحة نظام اقتصادي ذي ابعاد عالمية أوسع بحيث لن تكون الولايات المتحدة الاميركية اللاعب الاكبر والوحيد بل سيكون لكل المؤثرين في الحركة الاقتصادية العالمية دور في تحديد الاسس والضوابط لكل مندرجات السياسات المالية والنقدية التي سوف تتحكم بالاداء والنمو الاقتصادي لحقبة طويلة من الزمن".
وقال: "لقد تكونت للبنان مناعة في وجه الازمات والمحن بعدما مر، مدى السنوات الاخيرة، بأزمات عاتية عرف كيف يتأقلم معها ويستنبط المخارج التي مكنته من أن يبقي اقتصاده ينعم بنمو، تميزت نسبه، ليس وفق مؤثرات اقتصادية بل سياسية وامنية".
واضاف: "إن هذه المناعة الاقتصادية لا تعني حتما أن الاقتصاد اللبناني خال من تشوهات ومواقع خلل كبيرة وخطيرة. وما يمكننا قوله بايجاز مبسط أن في لبنان قطاعين يسيران بنمط وبسرعة متناقضين. فهناك، من جهة، القطاع الخاص، وهو قطاع متطور وعصري يختزن في ذاته قدرات تنافسية كبيرة ويسعى بشكل دؤوب ومستمر الى تحسين ادائه وتفعيله وأن ينمو بوتيرة ايجابية على رغم الصعوبات والمطبات. ومن جهة أخرى، هناك القطاع العام الذي يفترض أن يكون رافعة للقطاع الخاص، فاذا به قطاع متضخم ومترهل فقد أبسط قواعد الانتاجية. نعم، أيها السادة، لقد إنحرف القطاع العام عن دوره هذا، وبات يؤثر سلبا في تطور النمو الاقتصادي وفي تسهيل حركة الاستثمارات المنتجة التي يمكنها وحدها ايجاد فرص عمل لقوافل الشباب التي تتخرج سنويا من مؤسساتنا الجامعية والتربوية. ولعل السبب الرئيسي في هذا التراجع المؤلم في دور القطاع العام يعود الى أن السياسة نخرته في صميمه وبات الفساد مسيطرا في الادارات والمؤسسات العامة وسيطرة المحاصصة والمحسوبيات والمنافع الذاتية، ناهيك بإلاستزلام الذي حل مكان الكفاءة والخبرة ونظافة الكف".
وتابع: "إن لبنان يواجه حاليا نوعين من التحديات أولها ناتج من اضطراب الاسواق العالمية والثاني بسبب الخلل البنيوي في تعاطي القطاع العام بالشأن الاقتصادي. ان التحدي الاول يؤثر على قنوات تمويل الاقتصاد اللبناني عبر اضطراب قدرات هذه القنوات على الاستمرار في توفير قوة الضخ المالي التي كانت متوافرة والتي هي ضرورية لتغطية العجز المتفاقم للدولة اللبنانية كما لتمويل حركة النمو المرتبطة بالقطاع الخاص".
وقال: "ان حسن ادارة مصرف لبنان للسياسة النقدية حدت كثيرا من انعكاسات الاضطرابات المالية العالمية على السوق اللبنانية، وهي كفيلة ضبط ايقاع السوق واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة احتمال انحسار الروافد المالية السابقة وايجاد الحلول الناجعة لتخطي المرحلة الراهنة بأقل كلفة ممكنة. حتما، إن هذا الانحسار المرحلي سوف يكون له تأثير على حركة النمو لكن لبنان سيحافظ على نمو ايجابي بعكس الكثير من البلدان المتقدمة التي ترزح الآن تحت ثقل انكماش اقتصادي خانق.
أما التحدي الثاني والأهم فهو كيف نجعل من تعاطي القطاع العام في الشأن الاقتصادي تعاطيا ايجابيا مؤسساتيا يساهم في عملية النمو بدل أن يكون أداة أساسية لتأثيرات انكماشية يمكن أن تأخذ في الظروف الحالية أبعادا خطيرة وتترك انعكاسات اجتماعية غير محسوبة النتائج".
وأعلن "أن تعزيز فرص النمو عبر بوابة معالجة معضلة القطاع العام يمر من خلال الفرضيات الاتية:
- أن تكون الدولة هي الحامية الأساسية للمواطن ومصالحة الناس مع الشأن العام والتعاطي السياسي، اي إعادة الاعتبار الى العمل السياسي التنفيذي.
- إنجاز عملية الانتخابات النيابية في درجة عالية من الممارسة الديموقراطية الحقيقية والقبول بنتائجها.
- إيجاد أرض صالحة لفك الاشتباك بين المجموعتيين السياسيتين المتناحرتين حاليا في لبنان من اجل ارساء فترة طويلة من الاستقرار السياسي والامني.
- أن تقوم في المرحلة المقبلة سلطة تنفيذية تفصل بين المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فتعالج كل منهما بمنأى عن التأثيرات السلبية للاخرى في سبيل تحقيق الاستقرار المنشود.
- وضع سلم أولويات مع برنامج زمني محدد لمعالجة الخلل المزمن في العديد من القطاعات، والذي يستنزف الاقتصاد والمجتمع بشكل يومي ومستمر، وأهم هذه القطاعات هي الكهرباء والاكلاف الصحية والضمان الاجتماعي والصناديق المتعددة وتضخم بعض القطاعات العامة بفعل التوظيف المستمر".
وشدد على ضرورة "اعادة تحديد مهام بعض الوزارات وهيكليتها لتتلاءم مع تحديات المرحلة المقبلة وانشاء جهاز متخصص لمعالجة الدين العام وتصويب السياسة الاقتصادية وتفعيل الهيئات الرقابية. ومن الضروري وضع مخطط شامل لاعادة تنظيم هيكلية القطاع العام لاستقطاب الطاقات البشرية اللبنانية المقيمة والمنتشرة في الخارج وتصويب علاقة المواطنين اللبنانيين بالقطاع العام بعد ما شابها من خلل متراكم، إضافة الى التركيز على القطاعات التي يمكن لبنان أن يتميز بها عن سواه وتجنيد الطاقات البشرية الضرورية لها. ومن بين هذه القطاعات التكنولوجيا والاتصالات والابتكار الفني وسواها".
وختم: "إن الهدف الاسمى الذي يجب أن يستقطب كل الطاقات والجهود والمساعي هو حق لبنان في أن ينعم بأجواء صالحة ومستقرة لجذب الاستثمارات وتنمية القطاعات والمناطق كافة، وهذا هو السبيل الوحيد لتعزيز رفاهية المواطن اللبناني واستقلال الوطن".
كلمة الرئيس السنيورة
وألقى الوزير أوغاسبيان كلمة راعي المنتدى الرئيس السنيورة، وقال: "نجتمع في خضم ظروف مالية عالمية شديدة الصعوبة بعدما شهدت أسواق رأس المال العالمي تدهورا لم تشهده منذ أزمة القرن الماضي الكبرى عام 1929. وقد بدأت تداعيات هذه الأزمة تترك آثارها على مستوى الاقتصاد العالمي لجهة دخوله في حال من الركود مما يحتم تكثيف طرق المعالجة بالتعاون بين الحكومات والمؤسسات العامة والخاصة على المدى القصير والمتوسط والبعيد، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات والأفكار التي كانت سائدة وفي أنظمة العمل الاقتصادي والمالي والمصرفي على مستوى العالم.